يشتدُّ الجدلُ وتكثرُ التساؤلاتُ في قراءةِ المشهدِ الأخيرِ من حياةِ خاتمِ الأنبياء (صلوات الله عليه وآله)، وتقفُ العقولُ حائرةً أمام قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾.
صحيحٌ أنَّ هذه الآيةَ تنزّلت في يومِ أُحُد لتعالجَ صدمةَ المسلمين حين أُشيعَ مقتلُ النبي، فجاءت في ظاهرها بأداةِ التقسيمِ والتخيير (أو) لتضعَ الأمةَ أمامَ الاحتمالين الطبيعيين لأيِّ بشر: الموت أو القتل.
ومن هنا يتساءلُ الكثيرون: هل بقيَ الأمرُ في دائرةِ الاحتمال؟ ولماذا هذا الترددُ في الوحي بين الموت والقتل؟
هنا تتجلى عبقرية لغة الضاد وإعجازيةُ القرآنِ الكريم؛ فالآياتُ فيه حيّةٌ مستمرة، لا تُقيَّدُ بموقفٍ عابرٍ، ولا تُسجنُ في زمكانٍ واحد.
ورغمَ أنَّ ظاهرَ الآيةِ يُقرأُ تاريخياً ونحوياً في سياقِ الشرطِ والتقسيم، إلا أنَّ أسرارَ البيانِ الإلهي تتجاوزُ حادثةَ أُحُد لتؤسسَ لحقيقةٍ مستقبلية. ففي عمقِ التأملِ الإشاري، تتجاوز (أو) معنى التخيير والاحتمال، لترتديَ حُلَّةَ (الإضرابِ والتوكيد)، فتغدو في لغةِ العربِ بمعنى (بَلْ). نقرأ ذلك بوضوح في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾؛ أي: بَلْ هو أقرب! وعلى هذا الميزانِ البيانيِّ الدقيق، تُقرأ آيةُ آل عمران في بصائرِ العارفين كنبوءةٍ حتمية: (أفإن مات.. بَلْ قُتِل).
وهنا ينكشفُ الغطاءُ عن الشطر الأول من النبوءة؛ فخاتمُ الأنبياءِ لم يُطوَ سِجلُّ حياته بموتٍ طبيعيٍّ عابر، بل أبى اللهُ إلا أن يجمعَ لحبيبهِ بين ذروتي المجد: كمالِ الرِّسالةِ وتاجِ الشهادة، ليرتقيَ متأثراً بسُمِّ الغدرِ الذي دُسَّ إليه، وسرى في عروقهِ الطاهرة؛ لتتجلّى الحقيقةُ الكبرى التي خُطَّت بدماءِ الطاهرين: أنَّهُ ما منهم إلا مقتولٌ أو مسموم.
ولكن.. هل توقفت الفجيعةُ عند حدودِ اغتيالِ الجسد؟ أم أنَّ هناك اغتيالاً أشدَّ مرارةً كان ينتظرُ الأمة؟
تأتي الإجابةُ من قلبِ الآيةِ ذاتها لتأخذنا إلى ما هو أدهى وأمرّ.
فالفجيعةُ الكبرى لم تقف يوماً عند حدودِ الاغتيالِ الجسديِّ لرسولِ الله (صلوات الله عليه وآله)، بل تجلّت مرارتُها في الشطرِ الثاني من النبوءة، حيثُ يقرعُ القرآنُ أجراسَ الإنذارِ المُفجعة: ﴿انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾.
في القراءةِ العميقةِ لتاريخِ الأمة، لم يكن هذا "الانقلاب" عودةً إلى عبادةِ الأصنام، بل كان انقلاباً سياسياً وعقائدياً على "المنهج" و"الوصية".
ففي اللحظةِ التي كانت فيها دموعُ عليٍّ (عليه السلام) تغسلُ الجسدَ الطاهر، وكانت فاطمةُ (عليها السلام) تعتصرُ ألماً لليتمِ وغربةِ الدين، كانت رياحُ "السقيفة" تعصفُ لتغيير بوصلةِ التاريخ، وتلتفُّ على عهدِ "الغدير" الذي لم تجفَّ مياهُهُ بعد.
وهنا نعودُ إلى الجدلِ الأول لنصححَ مسارَ السؤال..
لقد حسمَ القرآنُ طريقةَ الرحيلِ بحرفٍ بيانيٍّ واحد (بَلْ قُتِل)، ليخبرنا أنَّ الجدلَ الحقيقيَّ لا ينبغي أن يُستنزفَ في التساؤل: "كيفَ استُشهدَ رسولُ الله؟"، بل يجب أن يُوجَّه نحو السؤالِ الذي لا يزالُ ينزفُ في خاصرةِ التاريخ:
كيفَ انقلبتِ الأمةُ على أعقابها، وتركت سفينةَ نجاتها قبل أن يُوارى نبيُّها الثرى؟!
- رياح .

