منذ مدةٍ ليست بقليلة، تقريبًا منذ ثلاثة أشهر، توفّي ابن عمي الصغير، ذو السبع سنوات، إثر مرضٍ وراثيٍّ مُهلك للجسد والروح. صارع المرض طويلًا من أجل البقاء على قيد الحياة، لكن في النهاية انتصر المرض عليه، وذهب إلى مأواه عند ربٍّ رحيم.
رغم أنه كان الطفل المحبوب من جميع أفراد العائلة، والمقرّب جدًا من عائلتنا، فقد كان حبّنا له شديدًا، حتى إننا كنا نعتبره أخانا الأصغر.
ولا أُخفي عليكم أنني، ولأول مرة، أتعرض لفقد شخصٍ عزيزٍ على قلبي، وقد آلمني رحيله كثيرًا.
لكن هل تعلمون ما حال والدته؟
لأوضح لكم أمرًا قبل أن أتحدث عن حالها بعد رحيله…
كان ابن عمي الحبيب، عزيز قلبي، يعاني من مرضٍ يستدعي أن يخضع لعملية تدوير الدم كل أسبوع، في مستشفى يبعد عن بيته ساعتين. وفي كل أسبوع، كان يذهب هو ووالده ووالدته إلى المستشفى.
وفي أكثر المرات، وبسبب سوء حالته وضعف مناعته، كان يبقى في المستشفى لمدة أسبوع كامل. لكن في المرة الأخيرة، بقي شهرًا كاملًا.
شهرًا كاملًا لم تفارقه فيه والدته لحظةً واحدة. أصبحت جليسة المستشفى، ونسيت حياتها، وكل اهتمامها انصبّ على ولدها.
إلى أن ساءت حالته في إحدى الليالي، فذهبنا جميعًا إلى المستشفى لرؤيته، وكأننا ذهبنا لنودّعه.
وسرعان ما عاد إلى وضعه الطبيعي، حتى تنفّسنا الصعداء، وشكرنا الله على أن مدّ في عمره.
وبعد ذلك أخرجوه من المستشفى إلى البيت، بغية تغيير حالته النفسية؛ لأنه، وحسبما قال لوالديه، كان قد اشتاق إلى البيت وإلينا جميعًا.
وما إن أتى إلى المنزل حتى ذهب الجميع لرؤيته، لكن كان من الواجب على كل من يدخل البيت أن يرتدي الكمامة الواقية حفاظًا على صحته.
وأنا أيضًا ذهبت لأراه بعد أن ذهب الجميع.
ولقد رأيته بحالٍ لم أعهد أن أراه عليها من قبل.
كان بالمعنى الحرفي جلدًا وعظمًا، والكانولا ملفوفة حول يده الصغيرة، حتى إن عظام قفصه الصدري كانت تُرى من فوق ملابسه.
حاولت أن أمزح معه، وترجيته أن يطلب مني شيئًا يحبه حتى أطبخه له، لكنه لم تكن لديه طاقة حتى للكلام.
ووعدته أن أصنع له الكوكيز في اليوم التالي، فأومأ برأسه موافقًا، وفرحت حينها حقًا.
انتهت زيارتي له، وقبل أن أخرج بعثت له بعض القبلات في الهواء…
لكنني لم أكن أعلم أن تلك اللحظات كانت آخر لحظاتي معه، وأنني بعدها لن أراه مرةً أخرى. 🥀
في اليوم نفسه ساءت حالته، فأعادوه إلى المستشفى.
لكنني لم أُخلف وعدي.
صنعت له الكوكيز، وأرسلتها إليه في المستشفى.
وبعدها بيومين، وتحديدًا يوم الجمعة، في الساعة التاسعة والنصف صباحًا، استيقظت على صوت صراخٍ قريب من بيتنا.
هرعت من فراشي لأرى ما هذا الصوت، حتى اقتربت من الباب، وسمعت عمتي الثانية، وهي خالته، تصرخ بصوتٍ يملؤه الألم:
«مهودي مات…»
نعم، مات حبيب روحي وعزيزها.
لا أريد أن أذكر تفاصيل ذلك اليوم الأليم…
فلنعد إلى حال والدته.
أصبحت بعده هي والنوح صاحبين.
لم تستطع دخول الدار بعده، إلا أنها قبل أسبوع فقط عادت إلى البيت، لكن النوح والبكاء لم يفارقاها.
كانت تبكي وتقول:
«كيف أدخل إلى البيت ولا أراه أمام عيني، وأنا التي كنت جليسته حتى لحظة موته؟»
وهذا شيءٌ خارج عن إرادتها…
نعم، إنها أم.
أما والده وإخوته وأخته، فحالهم ليس بالهيّن أيضًا.
فهم الآخرون يكتمون حزنهم من أجل والدتهم، حتى لا تجزع أكثر، لكنهم يبكون خفيةً بين الحين والآخر.
وفي النهاية، لا أملك إلا أن أدعو لوالدته:
اللهم صبّر قلبها، واربط على فؤادها، وهوّن عليها ثقل أيام فراقه، وارحم صغيرها رحمةً واسعة، واجعله لها فرطًا وذخرًا وشفيعًا، واجمعها به في جناتك حيث لا فراق ولا ألم.
رحم الله مهدي، وجبر قلب أمه وأبيه وإخوته، وألهمهم الصبر والسلوان. 🥀


